عبد الرحمن بن أحمد الحنبلي البغدادي الدمشقي

75

مجموع رسائل الحافظ ابن رجب الحنبلي

وفي بعضِ الآثارِ - أيضًا - أن العبدَ إذا دعا الله وهو يُحبهُ قال الله : " يا جِبريلُ ، لاَ تَعْجَلْ بِقَضَاءِ حاجتهِ ، فَإِنِّي أحبُّ أَنْ أَسْمَعَ تَضرعَهُ " . فهذه الأمورُ أصعبُ وأخطرُ من مجردِ الظلمِ وأدهى من الشِّركِ ، والشركُ أعظم الظُّلم عند الله . وفي " الصحيح " ( 1 ) عن النبيّ - صلى الله عليه وسلم - قال : " يَقُولُ الله تَعَالَى : الْكِبْرِيَاءُ رِدَائِي ، والْعَظَمَةُ إِزَارِي ، فَمَنْ نَازَعَنِي فِيهِمَا عَذَّبْتُهُ " . كان بعضُ المتقدمينَ قاضيًا ، فرأى في منامهِ كأنَّ قائلًا يقول : أَنتَ قاضٍ ، واللًه قاضٍ . فاستيقظَ مُنزعجًا ، وخرجَ عن القضاءِ وتركهُ . وكان طائفةٌ مِن القضاةِ الورعين يمنعونَ الناسَ أن يدعوهم ب‍ " قاضي القُضَاة " ، فإن هذا الاسمَ يُشبهُ مَلِكَ الملوكِ الَّذِي ذمَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - التسميةَ به . وقال : " لَا مَالِكَ إِلاَّ الله " ( 2 ) . و " حاكمُ الحُكَّامِ " مِثلُه ، أو أَشدُّ منه . ومن هذا البابِ - أيضًا - أن يُحبُّ ذُو الشَّرفِ والولايةِ أَن يُحْمَدَ عَلَى أفعالهِ ويُثنْى عليهِ بها ، ويطلبُ من الناسِ ذلك ، ويَتَسَبَّبُ في أَذى من لا يُجيبُه إليهِ ، ورُبما كانَ ذلكَ الفعلُ إِلَى الذمِّ أقربَ منهُ إِلَى المدحِ ، وربما أظهرَ أمرًا حسنًا في الظاهرِ ، وأحبَّ المدحَ عليه وقصدَ بهِ في الباطنِ شرًّا ، ( وفَرِحَ بتمْويهِ ) ( * ) ذلكَ وترويجه عَلَى الخلقِ . وهذا يدخلُ في قوله تعالى : { لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ } الآية ( 3 ) .

--> ( 1 ) أخرجه مسلم ( 2620 ) من حديث أبي سعيد الخدري وأبي هريرة . ( 2 ) أخرجه البخاري ( 6205 ) ، ومسلم ( 2143 ) من حديث أبي هريرة . ( * ) وقصد تمويه : " نسخة " . ( 3 ) آل عمران : 188 .